الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

76

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

إن الدستور الأول هو التوجه إلى المعاد ، فالدستور الأول يحيي في الإنسان قوة المراقبة ، والثاني ينمي روح الثواب والعقاب ، ولا شك أن الإنسان الذي يعلم أن شخصا خبيرا ومطلعا على كل أعماله يراه ويعلم به ويسجل كل أعماله ، ومن ناحية أخرى يعلم أن محكمة عادلة ستتشكل للتحقيق في كل جزئيات أعماله ، لا يمكن أن يتلوث بأدنى فساد ومعصية . جملة لا يجزي من مادة الجزاء ، و " الجزاء " ورد بمعنيين من الناحية اللغوية : أحدهما : المكافأة والمعاقبة مقابل شئ ، كما يقال : جزاه الله خيرا . والآخر : الكفاية والنيابة والتحمل للشئ عن الآخرين ، كما جاء في الآية مورد البحث : لا يجزي والد عن ولده . ومن الممكن أن يعود كلا المعنيين إلى أصل واحد ، لأن الثواب والعقاب يحلان محل العمل وينوبان عنه ، وهما بمقداره أيضا - تأملوا ذلك - . على كل حال ، فإن كل إنسان في ذلك اليوم مشغول بنفسه ، ومبتلى بمعطيات أعماله وآثارها إلى درجة أنه لا ينظر إلى أحد ولا يهتم به ، حتى وإن كان أبوه ، أو ابنه الذي كانت تربطه به أقرب الروابط ، فلا يفكر أحد بآخر مطلقا . وهذه الآية نظير ما ورد في بداية سورة الحج في الحديث حول القيامة والزلزلة : يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت . ومما يستحق الانتباه أنه يعبر ب‍ لا يجزي في مورد الأب ، وهي صيغة المضارع ، أما في شأن الابن فإنه يعبر باسم الفاعل ( جاز ) وهذا التفاوت في التعبير لعله من باب التنوع في الكلام ، أو إشارة إلى واجب ومسؤولية الابن تجاه الأب ، لأن اسم الفاعل يؤدي معنى الدوام والتكرار أكثر . وبتعبير آخر ، فإن المتوقع من العواطف الأبوية أن يتحمل الأب مقدارا من العذاب عن ابنه ، كما كان في الدنيا يتحمل المصاعب والمشاكل في سبيله ، لكن من